السابعة صباحا ... عقلي هناك، و قلبي لج في طلب رفقته، و هما الآن يتجولان على ضفاف نهر ذكرياتي...عانقت أصابعي الجسد الألمس لفنجانة قد تفاجأت بالبرودة التي سرت فيها كما يسري الدم في العروق، يا حسرة على بياضها اليقق ! كنت أرى فيها شرارات الضياء تتألق، أما وقد ملئت بالقهوة سوادا، سواد أخف دوما من سواد ذكرياتي، فما هي الآن إلا تلك الفنجانة .. المدنسة.
قطرات المطر في الخارج، تبدع في أداء موسيقاها الجميلة، راسمة على البرك صورة ما يغلي، فإذا بفوار يتصاعد متراقصا فيداعبني وجداني بلطف شديد، ليس ماء البرك الذي يغلي، بل هذا من صنيع فنجانتي. البر يلفني من كل صوب، جعلت الفنجانة قرب وجهي كي يأخذ نصيبه من الدفء، بينما معدتي تنق، مخونة إياي. حطت ذبابة على حافة الفنجانة و هي تتأمل البجر الأسود أسفلها، ربم لم تنتبه لوجودي لا أدري ما كانت تفعله بالضبط، و عن ما كان يجول بخاطرها، لم أشأ إفزاعها فحرمانها من دفء الحافة، فما اصعب الحرمان من الدفء، لعلها مثلي .. لم تجد عزاءها إلى في فنجانة قهوة حزينة. كل ما كنت أخشاه هو أن تغتر بذاك المشهد الجميل فتلقي بنفسها غلى التهلكة، فكثيرا ماغرتني المشاهد الجميلة فأقع ضحية من بين ضحايا، أجالت الذبابة النظر في الفجانة، و رأيتها تحرك ذراعيها، و تحك كفا بكف، فذكرني هذا بنفسي حين كنت صغيرا، فأهم بأخذ وجبة لذيذة. عجبا لأمر الذبابة ! أجنحتها و حرية طيرانها، مع كل هذا اختارت الاستقرار على حافة فنجانة، و تبتز مني عشيقتي، تعالت الذبابة عن الحافة ثم غادرت المحظة فتراءت لي من بعيد تودعني...ثم توارت في البيت، بعدها باغثتني فحطت على جفني، فرحت أحكه بشدة، ما إن فتحت عيناي حتى جابهني منظرها و هي تغرق في بحر حلو دافئ، لطالما حومت حولت، فكرت في إنقاذها، و قد كان الأمر يسيرا، لكني عدلت عن الأمر، فآثرت تركها تغرق و تستمتع بالموت ... بالرحيل ... بترك هذا العالم المتعفن. تجاسرت كهاته الذبابة ذات يوم، و تسربلت بالشجاعة و القوة، كما يتسربل الفارس بدرعه، بيدي حملت ترسا أتقي به طعنات القروش هناك ، ثم ألقيت بنفسي ... داخل فنجانة ... كدت أغرق ... أحد ما أنقذني !
استحليت القهوة التي فيها، لكنني وجدتها مرة ... و دفئها الذي إليه قلبي صبا، قد سلبته منه رياح الصبا، في لحظة ما سمعت طرقا في الباب ... لقد عادا !! نظرت إلى الساعة، فهالني الموقف ، لقد تأخرت كثيرا عن الدراسة، وكيف لي أن اقنع الحراسة العامة بمبرر التأخير ؟ أسيصدقون قصة الذبابة ... و الفنجانة ...و موسيقى الأمطار ؟!!
قطرات المطر في الخارج، تبدع في أداء موسيقاها الجميلة، راسمة على البرك صورة ما يغلي، فإذا بفوار يتصاعد متراقصا فيداعبني وجداني بلطف شديد، ليس ماء البرك الذي يغلي، بل هذا من صنيع فنجانتي. البر يلفني من كل صوب، جعلت الفنجانة قرب وجهي كي يأخذ نصيبه من الدفء، بينما معدتي تنق، مخونة إياي. حطت ذبابة على حافة الفنجانة و هي تتأمل البجر الأسود أسفلها، ربم لم تنتبه لوجودي لا أدري ما كانت تفعله بالضبط، و عن ما كان يجول بخاطرها، لم أشأ إفزاعها فحرمانها من دفء الحافة، فما اصعب الحرمان من الدفء، لعلها مثلي .. لم تجد عزاءها إلى في فنجانة قهوة حزينة. كل ما كنت أخشاه هو أن تغتر بذاك المشهد الجميل فتلقي بنفسها غلى التهلكة، فكثيرا ماغرتني المشاهد الجميلة فأقع ضحية من بين ضحايا، أجالت الذبابة النظر في الفجانة، و رأيتها تحرك ذراعيها، و تحك كفا بكف، فذكرني هذا بنفسي حين كنت صغيرا، فأهم بأخذ وجبة لذيذة. عجبا لأمر الذبابة ! أجنحتها و حرية طيرانها، مع كل هذا اختارت الاستقرار على حافة فنجانة، و تبتز مني عشيقتي، تعالت الذبابة عن الحافة ثم غادرت المحظة فتراءت لي من بعيد تودعني...ثم توارت في البيت، بعدها باغثتني فحطت على جفني، فرحت أحكه بشدة، ما إن فتحت عيناي حتى جابهني منظرها و هي تغرق في بحر حلو دافئ، لطالما حومت حولت، فكرت في إنقاذها، و قد كان الأمر يسيرا، لكني عدلت عن الأمر، فآثرت تركها تغرق و تستمتع بالموت ... بالرحيل ... بترك هذا العالم المتعفن. تجاسرت كهاته الذبابة ذات يوم، و تسربلت بالشجاعة و القوة، كما يتسربل الفارس بدرعه، بيدي حملت ترسا أتقي به طعنات القروش هناك ، ثم ألقيت بنفسي ... داخل فنجانة ... كدت أغرق ... أحد ما أنقذني !
استحليت القهوة التي فيها، لكنني وجدتها مرة ... و دفئها الذي إليه قلبي صبا، قد سلبته منه رياح الصبا، في لحظة ما سمعت طرقا في الباب ... لقد عادا !! نظرت إلى الساعة، فهالني الموقف ، لقد تأخرت كثيرا عن الدراسة، وكيف لي أن اقنع الحراسة العامة بمبرر التأخير ؟ أسيصدقون قصة الذبابة ... و الفنجانة ...و موسيقى الأمطار ؟!!
يا إلهي ! كم أصبحت ليالينا مرعبة ! نصاب بالأرق، و نتحين أيان يقع سقف المنزل على أجسادنا، نتململ في السرير، و نتوجس خيفة من كل ليلة، تجفل قلوبنا لمجرد سماع صوت شاحنة تمر بمحاذاة المنزل، فيهتز زجاج النافذة، فأنى لنا براحة بال صوت هزات الأرض قد ترسخ في أذهاننا ؟
منذ أيام شعرنا بهزة أرضية ليلا، فترجينا هدوءها، غير أن أكمام الحياة الهادئة المطمئنة تفتقت عن برام فزع صغيرة، سرعان ما نمت، ما حدث أن الأرض تنحنحت قبل أن تبدأ حديثها كما يفعل جدي تماما، فقد تتالت الهزات، و اختلفت شداتها، فكانت الخفيفة منها التي توقظنا من النوع فقط، فنتناساها كي نظفر بلحظات نوم، فلربما قد لا يحصل الأمر الليلة التالية، عشرات الهزات الخفيفة حدثت قبل أن يحين وقت الهزة العنيفة قبل أيام، حين قضت مضاجع الآلاف من سكان المنطقة مع الساعة الثالثة و النصف فجرا، حينها هرب من كان في الحمام قاصدا الباب، انتصب القائم مرتعدا، و بكى الصغير منفردا، و ما فكر الكاهل العاجز في الحياة أبدا، و ازداد المصلون في المسجد عددا، تنادى الأحباب و اطمأنوا على أجوال بعضهم البعض، بعدما تلبدت الخاوف في قلوبهم، و تكدر هدوء الليل، و جحظت الأعين من شدة الخوف.
الأيام التالية كانت تخفي مفاجآت لا تقل شأنا عن سابقاتها، استذكر الجميع ما حدث قبل خمس سنوات حين اهتزت الأرض بقوة خمس درجات و نصف على سلم ريختر، فنصبت الخيام، و حبا الناس إليها هاربين من الموت ( من القدر ) فمضت أسابيع و عادت الحياة إلى مجاريها قبل أن تنتفض مجددا مع بداية شهر رمضان.
يحكي الناس طرائف عن ردود أفعال مضحكة حدثت أثناء الهزات الأرضية، فهذا رجل قد حمل بين ذراعيه وسادته هاربا، فلما هدئت، إذا بأهله ينظرون إليه مستغربين، فضحك لما أدرك أنه قد حاول إنقاذ وسادة ظانا منه أنه كان حاملا طفله معه، رجل آخر كان مقيما بالديار الأوربية، سمع عن هزات أرضية تحدث بمنطقتنا، حيث يمتلك منزلا له، فوجدها فرصة ليثبت لأحدهم أنه شجاع، فقرر المجيئ لمدينة الناظور، و المبيت في منزله، و هو يستهزئ ممن كانوا يعلنون عن خوفهم ... و ذات مرة، و هو بمنزله وحيدا، حدثت هزة أرضية غادر السكان بسببها منازلهم، فرأته جارته و هو يفر مفزوعا من منزله قائلا : ما هذه الأرض !؟ إنها تهتز بقوة ! الأمر مخيف .. مخيف حقا ! فقرر بعدها أن يعود إل بلده في اقرب وقت، و قد فعل ذلك.
و لعل كلا منا يحتفظ بذكرياته الخاصة مع الهزات الأرضية، و ان اختلفت ذكرياتنا تلك، فإن شعورنا واحد : خوف مستمر مما هو أسوأ، خوف من الموت، خوف من المعاناة. و لكنني أتساءلو تتساءلون : لم نخاف و نحن نؤمن بالقدر ؟ وهل ستنصبون الخيام مجددا
منذ أيام شعرنا بهزة أرضية ليلا، فترجينا هدوءها، غير أن أكمام الحياة الهادئة المطمئنة تفتقت عن برام فزع صغيرة، سرعان ما نمت، ما حدث أن الأرض تنحنحت قبل أن تبدأ حديثها كما يفعل جدي تماما، فقد تتالت الهزات، و اختلفت شداتها، فكانت الخفيفة منها التي توقظنا من النوع فقط، فنتناساها كي نظفر بلحظات نوم، فلربما قد لا يحصل الأمر الليلة التالية، عشرات الهزات الخفيفة حدثت قبل أن يحين وقت الهزة العنيفة قبل أيام، حين قضت مضاجع الآلاف من سكان المنطقة مع الساعة الثالثة و النصف فجرا، حينها هرب من كان في الحمام قاصدا الباب، انتصب القائم مرتعدا، و بكى الصغير منفردا، و ما فكر الكاهل العاجز في الحياة أبدا، و ازداد المصلون في المسجد عددا، تنادى الأحباب و اطمأنوا على أجوال بعضهم البعض، بعدما تلبدت الخاوف في قلوبهم، و تكدر هدوء الليل، و جحظت الأعين من شدة الخوف.
الأيام التالية كانت تخفي مفاجآت لا تقل شأنا عن سابقاتها، استذكر الجميع ما حدث قبل خمس سنوات حين اهتزت الأرض بقوة خمس درجات و نصف على سلم ريختر، فنصبت الخيام، و حبا الناس إليها هاربين من الموت ( من القدر ) فمضت أسابيع و عادت الحياة إلى مجاريها قبل أن تنتفض مجددا مع بداية شهر رمضان.
يحكي الناس طرائف عن ردود أفعال مضحكة حدثت أثناء الهزات الأرضية، فهذا رجل قد حمل بين ذراعيه وسادته هاربا، فلما هدئت، إذا بأهله ينظرون إليه مستغربين، فضحك لما أدرك أنه قد حاول إنقاذ وسادة ظانا منه أنه كان حاملا طفله معه، رجل آخر كان مقيما بالديار الأوربية، سمع عن هزات أرضية تحدث بمنطقتنا، حيث يمتلك منزلا له، فوجدها فرصة ليثبت لأحدهم أنه شجاع، فقرر المجيئ لمدينة الناظور، و المبيت في منزله، و هو يستهزئ ممن كانوا يعلنون عن خوفهم ... و ذات مرة، و هو بمنزله وحيدا، حدثت هزة أرضية غادر السكان بسببها منازلهم، فرأته جارته و هو يفر مفزوعا من منزله قائلا : ما هذه الأرض !؟ إنها تهتز بقوة ! الأمر مخيف .. مخيف حقا ! فقرر بعدها أن يعود إل بلده في اقرب وقت، و قد فعل ذلك.
و لعل كلا منا يحتفظ بذكرياته الخاصة مع الهزات الأرضية، و ان اختلفت ذكرياتنا تلك، فإن شعورنا واحد : خوف مستمر مما هو أسوأ، خوف من الموت، خوف من المعاناة. و لكنني أتساءلو تتساءلون : لم نخاف و نحن نؤمن بالقدر ؟ وهل ستنصبون الخيام مجددا





